عباس الحايك
الكاتب المسرحي عباس الحايك
.
.

عرض (مجرد؟لا أكثر) يتقن لغة الجسد

عرض (مجرد؟لا أكثر) يتقن لغة الجسد


منذ (شغبوب) مروراً بـ (عندما يتمرد) وحتى (مجرد ؟ لا أكثر) يؤكد عقيل الخميس على إمكاناته ووعيه كمخرج شاب، اختار أن يلج منطقة محفوفة بالمغامرة، إذ لم يقدم عرضاً مسرحياً تقليدياً، بل فضل أن يجرب ويبحث في صيغة مسرحية مغايرة. عرضه الذي كان نتاج شراكة فنية بين فرقته (أمواج) وفرقة (نورس) المسرحيتين، اشترك في كتابة نصه مع الكاتبين حسن الحمود وياسر الحسن، حقق معادلة الجمال، والإبداع المسرحي.

النص ذو منحى عبثي، هو حالة انتظار قد لا تشبه انتظار غودو، لكنها تشبهها في جعلنا معلقين كمتلقين، فهناك جريمة لا نعرف من ارتكبها، ولن نعرف، وهناك مجرم لم نعرفه، لم نره، ولن نراه، وينتهي العرض بعلامة استفهام كبيرة، أراد النص أن يزرعها فينا لتظل تلاحقنا، و لا ينقطع سيل الأسئلة، من؟، كيف؟، أين؟.. ولا يبدو أن ثمة إجابة. النص رغم انقسامه إلى شكلين مسرحيين، يبدء بإيماء دون حوارات، وفصل آخر منه حواري، إلا أن تباين الفصلين لم يؤثر في وحدة العرض.

العرض ينتمي إلى المسرح الحديث، مسرح البحث والتجريب الذي يتجاوز الصيغ التقليدية، خاصة تلك السائدة في مسرحنا المحلي، فغالباً ما توصف العروض المحلية بالعروض السردية أو الذهنية، أو توصف غالباً بأنها عروض إذاعية تنتصر للكلمة المنطوقة و تعتمد عليها بالدرجة الأولى لإيصال رسائل العرض للمتلقي. فعقيل انتفض على الإذاعية والسردية وقدم عملاً اعتمد على لغة الجسد، وإن كانت هذه اللغة تبدو عصية على الإتقان من قبل الممثلين الذين لا يمتلكون أجساداً مطواعة، وأجساداً قابلة للتشكل، فالأجساد المترهلة المسكونة بالأداء العادي، لا يمكنها أن تتوهج و لا يمكن أن تستنطق، بيد أن هذه اللغة أتقنها ممثلو العرض: ياسر الحسن، حسن العلي، حسين محفوظ، يحيى العلي، ماجد السيهاتي، علي الناصر، وكميل العلي، واستطاع المخرج أن يفجر طاقات كانت غائبة.

اكتشف المخرج مكامن الإبداع في أجساد ممثليه، فرسم بهم لوحة بصرية بديعة، أدهشت جمهور العرض، أجساد نحت بهم المخرج قطعة فنية، بمرونة فريدة، فكسب رهانه بهم. حتى ياسر الحسن الذي ابتعد طويلاً عن المسرح، كان من الممكن أن يتجاوزه الممثلون الذين يكبرهم سناً، ويتفوقون عليه في خفتهم، إلا أن عقيل حرك سكون جسده، فأدى دوره بإتقان، جسد لوحات العرض مع زملائه بخفة ومرونة. الخفة تلك التي تجلت في الحركة الرشيقة التي لم تكن تحدث حتى ضجيج الأقدام على الخشبة، فالقفز، التدحرج والانتقالات لم تكن تحدث الضجيج. وقد يلحظ على الأداء افتقاد بعض التزامن بين المجموعات في الحركات المتشابهة، إلا أن هذا لم يخل بتميز العرض.

السينوغرافيا التي اعتمدها الخميس في عرضه، كانت تعتمد على تأثيث الفراغ بأجساد الممثلين، فالخشبة فارغة إلا من باب، وسيلة المروق من، إلى، وسيلة الانتقال من عالم إلى آخر، الباب الذي يستحيل نافذة تطل منها شخوص العرض، أو سرير ولادة، الباب الذي كان علامة سيميائية تحمل بعض رسائل العرض، هذا الباب كان واحداً من الممثلين، كان يؤدي معهم دوره، يتحرك معهم.

العرض مع ما يحمله من إبداع، أثرت على جماله إخفاقات الإضاءة، والتي كانت من المفترض أن تعطي لبعض اللوحات بعدها الجمالي والدلالي، إضافة إلى أن المخرج لم ينشغل كثيراً بالإضاءة كعنصر من عناصر عرضه بقدر ما انشغل بممثليه. كما أن العرض شابه الطول، و بدا كأنه عرضين ممتزجين، فاللوحة الإيمائية الأولى كان يمكن لها أن تكون عرضاً منفصلاً، يحقق فيها المخرج معادلته، و يمكن للمسرحية أن تبدأ من فصل الكلام، فصل الحوارات، التي لم تكن تصل دون إيماء، فالعرض اعتمد على التلقي السمعي البصري، وكان يكفينا كمتفرجين فصلاً واحداً لنكتشف إبداع الفرقتين.   

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.